سيرة عمر المختار أُسْطورة الزمان "9"

فرج بو العَشّة
faragasha@yahoo.com
بعد انشقاق الحسن الرضا، ومعه حوالي ثلاثمئة من أتباعه المسلحين، من قبلتي البراعصة والدرسة، عن الحركة الوطنية، ودخولهم في طاعة الطليان، تخلي سي عمر عن صفة نائب الوكيل العام وأصبح يوقع باسم قائد القوات الوطنية، وهي التسمية الموضوعية لدوره التاريخي المركزي في قيادة حركة الجهاد الوطني، دون أن يخل ذلك بإنتمائه للطريقة السنوسية وإعترافه بزعيمها ادريس السنوسي، المقيم في المهجر المصري.
لم يكن سِيدي عمر ساذجا في تفاوضه مع الطليان. كان يأخذهم بالحيطة والحذر، متمسكاً بشروطه للصلح والهدنة. وقد بعث برسالة احتجاج إلى الجنرال سيشلياني، نائب الحاكم العام، يوم 25 سبتمبر 1929، على ما تقوم به السلطة الاستعمارية من مناورات ومؤامرات لشق الصف الوطني:" لقد ذكرتم في أثناء في أثناء هذه المباحثات أن غرضكم الوحيد منها لم يكن سوى العمل على تهدئة الوطن، ثم وعدتم بوقف الأعمال العدائية، وقد صدقنا نحن ذلك، ولكنه سرعان ما تبين أن عمال الحكومة ورؤساء المفاوضات ـ وكان المختار يقصد الشارف الغريلني وزملاءه الضالعين مع إيطاليا ـ يريدون الآن أن يوجدوا سوء التفاهم بيننا وبين السيد الحسن بمعاونة أحد مستشاريكم الذي يقوم بتوزيع الأغذية والأموال بين المجاهدين.." ـ 1 ـ فرد عليه الجنرال سيشلياني برسالة متغطرسة، يعلن فيها رفض الحكومة الاستعمارية الالتزام بتعهداتها السابقة، ويبلغه استعداده لمقابلته والتباحث معه حول إبرام اتفاق جديد. ـ 2 ـ ومن الواضح أن سِيدي عمر أراد من مراسلته كبار مسؤولي الحكومة الإيطالية، في سياق خطواته التي ستتبع، أن يوثق مواقف الحركة الوطنية الواضحة مقابل مواقف الحكومة الإيطالية المخاتلة بشأن عملية الصلح. فبعد رسالته إلى الجنرال سيشلياني، بعث برسالة ثانية، في 9 أكتوبر 1929، إلى حاكم المستعمرة العام المارشال بادوليو، ينذره فيها أنه إذا لم توقف الحكومة الإيطالية أعمالها المخالفة لتعهداتها فإنه سوف لن يكون مسؤولا عن كل ما يحدث بعد يوم 24 من الشهر نفسه ـ 3 ـ
وإذ لم يتلق سِيدي عمر أي رد من الحكومة الإيطالية خلال نحو عشرة أيام، وفيما الهدنة بتعبيره " توشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة"، قرر الإعلان عن موقف الحركة الوطنية في بيان موجَّه للرأي العام العربي والإسلامي، نشرته صحيفتا الأخبار والمقطم المصريتين بتاريخ 20 أكتوبر 1929. جاء فيه:
في أوائل عام 1348 أي حوالي منتصف عام 1929 دعتني الحكومة الإيطالية عن طريق ممثلها الحاكم العام الماريشال بادوليو إلي إيقاف الحرب ولتقديم طلباتنا ولتحديد مكان ٍللقاء صاحب السعادة, ولقد حدث ذالك وإلتقينا في سيدي رحومة ووافقنا علي عمل هدنة حربية مدتها شهران حتى يتسنى لكل منا أن يكون علي إتصال برؤسائه, وأثناء اللقاء طلب إلي الماريشال بادوليو أن أقدم له طلباتنا وقال لي إنه كان مستعدا لإعادة زعيمنا السيد محمد إدريس السنوسي إلي برقة إذا ماكنا رغبنا في ذالك.
وكان من بين شروط الهدنة التي قدمناها الشروط التالية:
العفو العام عن جميع المدانين بجرائم سياسية سواء كانوا موجودين داخل البلاد أم خارجها وإطلاق سراح المسجونين لأسباب سياسية.
سحب جميع الحاميات التي أقيمت أثناء حرب عام 1341 (1922-1923) بما فيها تلك الحاميات الموجودة في جغبوب وجالو.
إعطائي الحق جباية العشور الشرعية من العرب المقيمين حول الحاميات الإيطالية علي الشواطئ.
مدة الهدنة شهران قابلان للتجديد.
ولقد قبل صاحب السعادة الماريشال بادوليو هذه الشروط ووعد بتطبيقها، وقبل انتهاء مدة الشهرين أخبرت صاحب السعادة الحاكم العام عن طريق نائبه الكاڤاليري « سيتشيلياني» بأن جميع الوجهاء الوطنيين كانوا متفقين علي اختيار زعيمنا السيد محمد إدريس السنوسي لكي يقوم بتعيين بعض الأشخاص اللائقين من بين مواليد برقة وطرابلس الغرب للتفاوض مع الحكومة الإيطالية بشأن مطالب برقة وطرابلس الغرب وطلبنا – بجانب ذالك – إلي الحكومة أن تتصل علي الفور بالأمير السيد محمد إدريس السنوسي لإتخاذ الوسائل الكفيلة بوضع حد للحالة الراهنة بأفضل السبل ولقد وعدني صاحب السعادة وعوداً طيبة, وقبل نهاية الشهرين طلبوا إلي تجديد الهدنة وأوردوا سببا لذلك هو إن الحاكم العام كان قد سافر إلي روما لعرض المشكلة علي الحكومة وأنه لم يكن عاد بعد، وبهذه الكيفية جرى مد أجل الهدنة فترة عشرة أو عشرين يوماً حتى الثالث من جمادى الأول عام 1348 وعندئذ أدركت أن هدف الحكومة كان مجرد كسب للوقت ولذلك أبلغت الحكومة عن طريق نائب الحاكم بأن الهدنة كان يمكن أن تنتهي في اليوم العشرين من جمادى الأولى عام 1348 الموافق الرابع والعشرين من أكتوبر عام 1929 وبأنها ما كان لها أن تتجدد , فالهدنة الآن توشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة ولم أتلق أي رد من الحكومة الإيطالية بشأن نيتها الاتصال بأميرنا السيد محمد إدريس
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ