كتبهافرج العَشّة ، في 23 نوفمبر 2009 الساعة: 19:00 م
"سي" عمر المختار شيخ المقاومة الجهادية(2)
فرج بو العَشّة
faragasha@yahoo.com
كتب جورج ريمون،المراسل الحربي لمجلة "اللوستراسيون" الفرنسية،أثناء تغطيته الصحفية لحرب إيطاليا على ليبيا،في بداية العام 1912:"إن ما يدهشني كمراقب محايد، هو أن الطليان قد ألقوا في هذه الحرب بكل ثقلهم وحشدوا لها كل ما شحنوه معهم من آليات هائلة وما جاءوا به من القطع البحرية والطرّادات الحربية ومن الطائرات، وما استعانوا به من أجهزة الإضاءة الكاشفة (…) ومع ذلك لم يستطيعوا إلقاء الرعب في نفوس الليبيين العُزْل، الذين يؤمنون في قرارة أنفسهم بأن الله لن يتخلَّى عنهم، وأنه سينصرهم في النهاية على أعدائهم (…) لقد شاهدت الليبيين يهاجمون أعداءهم داخل تحصيناتهم المنيعة، وهم شبهُ عراةٍ، يفتقرون إلى أسباب النَّعيم الذي يتوفَّر لغيرهم. ومع ذلك فإنهم لا يكلّون ولا يتعبون، وهم قادرون على تحمُّلِ الجوع والعطش طويلاً، فيصومون يومين أو ثلاثة لا يتذوَقون قوتاً (…) إن هؤلاء الفقراء المجاهدين لا يربطهم بنعيم الدنيا رابط، ولذا فإنهم يرون في هذه الحرب فرصة سانحة للخلاص من الحياة الدنيوية القاسية المُرَّة، بالإستشهاد والموت ميتة مجيدة، تُفضي بهم إلى سعادة أبدية (….) لقد بذلَت إيطاليا جهوداً كبيرة لاستمالة الناس، ولكن محاولاتها ذهبت أدراج الرّياح، لأن السكان وضعوا أنفسهم منذ بداية الغزو، جنداً للدفاع عن ديارهم."
أما أنور باشا ـ 1 ـ فقد وصف،في مذكراته،جيش المجاهدين المتطوعين في مدينة درنة، بأنه:" يشبه قطيعاً من البشر المسلحين أكثر مما يشبه الجيش. القبائل العربية ترسل لي مقاتليها، الذين يأتون على شكل جماعات صغيرة، كل واحد يحمل سلاحاً قديماً على كتفه، رابطاً رصاصاته في حزامه وفي يديه بضع كيلوات من الدقيق. وبين القادمين مسنون بيض اللحي، وصبيان لم يبلغوا سن الخامسة عشرة. إن أعمارهم لا تمنعهم من مواجهة الموت مع رفاقهم جنباً إلى جنب. لهم إيمان راسخ بأن أقدارهم مرسومة بإرادة الله، فمهما يكون لن تتغير، فإذا حان الأجل لن يتخلص منه أي مخلوق. ولهم مثل رائع مأثور: الشجاع يموت مرة والجبان يموت مئة مرة". وهو ما نجد تعبيره في المبيعات الجهادية، مثل بيان المبايعة الذي بعث به مشايخ القبائل في مدينة الخمس،وسلموه إلى قائد الحامية التركية بطرابلس:"إن الليبيين يبلغون حكومة الآستانة أنهم أقاموا اجتماعات متعددة، قرروا فيها أن يسفكوا آخر قطرة من دمائهم فداء للوطن، فلينعم الباب العالي والأمة العثمانية وصحافتها بالأمن، وليهدأ روعها فإن وطنهم لا يباع إلا بالدم الزكي".
وتجدر الإشارة إلى أن جهاد الليبيين لم يكن ذكوريا محضا.أي فرض عين موقوف على الرجال وحدهم. فقد كانت النساء الليبيات تمثل قوة اجتماعية فاعلة في صميم الواجب الجهادي. فهن وإن لم يشاركن في القتال بشكل مباشر، قمن بدورهن المركزي في تفعيل حركة الجهاد، من خلال إمداد المجاهدين أثناء المعارك بالماء والرصاص،وتمريض الجرحى، ورفع معنويات المقاتلين بالآهازيج والزغاريد. ويذكر أنور باشا في مذكراته أنه: "كان لكل مجموعة تتكون من خمسة عشر مقاتلأ من قبيلة واحدة، خيمة واحدة ينامون فيها ويرأسهم عريف أو نائب عريف يعينه شيخ القبيلة. وكان يخصص لكل خيمة امرأة تقوم بخدمة الجنود وعمل ملابسهم وإعداد الطعام لهم أثناء راحتهم وحمل الماء والطعام اللازم للمقاتلين في ميدان المعركة، إلى جانب إثارة همم الرجال أثناء المعركة وتضميد جراح المصابين ورثاء الشهداء منهم وذكر محاسنهم. وقد كان في معسكري عين أبي منصور والظهر الحمر عدد من المجاهدات يتراوح ما بين 450 إلى 500 مجاهدة". وتوجد في ذاكرة الجهاد الليبي قصص بطولية خارقة لمجاهدات بارزات. ومنهن سليمة المقوس، التي أطلق عليها مراسلون أجانب تسمية "جان دارك العرب"، بعدما التي شاركت في "معركة قرقارش"، ضمن المجاهدين القادمين من "فزان" في جنوب ليبيا، الذين جاءوا من مسافات بعيدة في الصحراء لمقاومة الغزاة في طرابلس، وبعضهم يحمل سيوفا. وكان سلاح سليمة المقوس عصا طويلة، تتنقل بها بين مواقع المجاهدين، تبث فيهم الشجاعة بأهازيجها وزغاريدها. ويصف الكاتب الصحفي الإنكليزي ألن أوستلر في كتابه The Arabs in Tripoli <العرب في طرابلس>، كيف كانت تلك المرأة الفزانية :"تركض في إتجاه المعركة ومعها كثير من النساء اللائي التحقن بالرجال، فكانت تركض في عجلة لتتقدم الرجال، فأصيبت بشظية مدفع في يدها، فكانت توميء بها والدماء تسيل منها في إتجاه المحاربين وتقول لهم: والله إن أرتد أي منكم سنقطع وجهه بأظافرنا هذه ونرمي به ليعيش مع الأطفال. ووصلت إلى مرحلة لم تعد تتمالك فيها نفسها، فكانت أول من وصل إلى حافة الخندق الأول الذي غادره من نجى من الإيطاليين هربا بحياته، فغطست ذراعها حتى المرفق في ترعة حديثة من الدماء، ثم وقفت على حافة الخندق منتصبة وكأنها آلهة حرب أفريقية تنادي الرجال لدخول المعركة. وعلق أحد الحضور "ما شاء الله … ما شاء الله" أنا متأكد من أنها كسرت جمجمة أو جمجمتين بعصاتها تلك. وهكذا شاهدتها هذا اليوم <بعد انتهاء المعركة> تولول وترقص رقصات الحرب وهي لا تزال متوهجة المشاعر تطلب بندقية للدفاع بها عن وطنها. فقربت من خيمة القائد التركي وطلبت منه أن يعطيها بندقية، وكان قد سمع بقصتها وبأنها كانت في المعركة تحارب بعصاتها، فابتسم ولبي مطلبها فخرجتْ من الخيمة ببندقيتها وهي ومن معها يرقصون من الفرح.". ـ 2 ـ
إنها الروح الجهادية الجمعوية التي ما كان لها أن تحافظ على جذوة إرادتها مشتعلة،فكرة وممارسة،لو لم يتوفر لها "سي "عمر المختار،بمواصفاته الشخصية والروحية النادرة. وإذا حسبنا "سي" عمر على الطريقة السنوسية،فقد كان سنوسيا بالانتماء الروحي.ولكن على طريقته الخاصة. فلم يكن تابعا يتلقى الأوامر من سادة السنوسية. كان السنوسيون يهابونه،ويتطلعون إلى نيل رضائه. فعندما يكتب إليه محمد الرضا،ممثل الأمير إدريس في ليبيا،بعد لجوء الأخير إلى مصر،يبدأ رسائله بـ:"من الرضا إلى عمر المختار: إلى ممثلنا حفظه الله….." وبعد أن يشرح له افكاره،يخاطبه:"أرغب في أن توضح لي وجهة نظرك لأعرف كيف ينبغي أن أتصرف.." فالسيد محمد الرضا، زعيم الطريقة السنوسية بالوكالة،كان في واقع الحال تابعاً لما يقرره "سي" عمر على الأرض.إذ أنه أصبح،بعد مغادرة السيد أحمد الشريف ليبيا،سيد المشهد الجهادي بلا منازع.ولو كان في محل السيد أحمد الشريف لما ورط المجاهدين الليبيين في حرب غير محسوبة ضد الإنكليز في مصر، تلبية لرغبة الآستانة،بينما كان الإيطاليون يعيثون قتلا وتدميرا وراء ظهره.ولو كان في محل السيد إدريس السنوسي لرفض الانجرار وراء المفاوضات العبثية وتوقيع الاتفاقيات التنازلية لصالح المحتلين.
والحال أنه،بخروج السيد أحمد الشريف من ليبيا إلى تركيا ولجوء الأمير إدريس السنوسي إلى مصر،انتقلت الزعامة الجهادية،في برقة،إلى "سي" عمر.الشيخ المهيب،بلحيته البيضاء،التي تجلل وجهه الصارم على مسحة نبالة بدوية وقور.وعينان غائرتان،راكزتان كعيني صقر حر رابض في الأعالي.وجسم مربوع،لا هو بائن الطول،ولا ملحوظ القصر.ومنكبان عريضان يعكسان قوته وصلابته.أليس هو رأس القوم.وجبهة أسد خرطتها تجاعيد التجارب.أليس هو جبهة القوم.أنه "سي" عمر،الحسي كرصاصة في قلب الغازي،والصوفي على سجيته البدوية. فهو لم يكن شيخ دين زاهد معكتف في زوايته.كان ليبيا بدويا،كامل المواصفات.عاش بين شعبه كما يعيش شعبه. مثلهم رعي وحرث وبذر وحصد. يأكل كما يأكل البدو، ويلبس كما يلبسون ويسكن حيث يسكنون…. يتبع…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ أنور باشا قائد عسكري عثماني (22 نوفمبر 1881 - 4 أغسطس 1922)، كان إلى جانب أدهم باشا الحلبي وعزيز علي المصري ومصطفى كمال <أتاتورك فيما بعد> من كبار الضباط الأتراك البارزين، الذين جاءوا إلى ليبيا بعد الغزو الإيطالي لقيادة القوات التركية وتنظيم صفوف المجاهدين وتسليحهم وتدريبهم على القتال. وقد تسلم أنور باشا قيادة القـوات التركيـة وقوات المجاهدين العاملة في برقة. وهو قادة حركة تركيا الفتاة شارك في ثورة 1908 ضد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني. وأصبح بعد رجوعه من ليبيا وزيراً للحربية. وقد قتل خلال حرب الأستقلال التركية العام 1922.
2 ـ أنظر الرابط:
http://www.libya-watanona.com/letters/v2008a/v14feb8b.htm
(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 12 نوفمبر 2009م .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات العشة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























