ما حاجة ليبيا لعودة الملكية.؟!
فرج بو العَشّة
faragasha@yahoo.com
علت في أوساط المعارضة في السنوات القليلة الماضية بعض الأصوات الداعية إلى عودة الحكم الملكي لليبيا. وقد توافقت مع دعاوى أخرى كثيرة لعودة الملكية في العراق وأفغانستان ومصر وإيران. وجميعها تقريبا تجمع على تصوير الملكية كحل إنقاذي لمشكلات الدول والمجتمعات التي سقطت فيها الأنظمة الملكية بفعل إنقلابات عسكرية أو ثورات شعبية(إيران). وغالبا ما تصور العودة إلى الملكية، من منظور دعاتها، على أنها عودة إلى "الزمن الجميل" بحسبان أن عهدها كان أفضل من عهود الانقلابات عليها. ويحرص دعاة العودة إلى الحكم الملكي على استدعاء محاسن الملكية، التي، حسبهم، أزدهرت فيها الديموقراطية الدستورية والحريات العامة. ولكن هؤلاء الدعاة يتغاضون عما يطال تلك الديموقراطية من قصور ونقص وتزييف وعن خضوع البلاد للسيطرة الأجنبية، حيث كان أولئك الملوك المركَّبون يخشون المندوبين الاستعماريين الساميين ويدينون لهم بالطاعة في كل كبيرة وصغيرة تقريبا. وقد شهدنا فشل محاولة عودة الملكية في أفغانستان بعد سقوط دولة طالبان. وفشل محاولة عودتها لحكم العراق بعد سقوط الدولة البعثية، بل أن الشريف على، المطالب بالعرش الهاشمي، فشل هو بنفسه في أن يكون عضوا في البرلمان العراقي. وباتت عودة ملكية أسرة محمد علي في مصر من المستحيلات كاستحالة عودة المماليك.
إن الذين يدعون إلى عودة الملكية في ليبيا يسترشدون أو يتمثلون أو يستدلون بأمثلة حاضرة على عودة النظام الملكي،كما في أسبانيا. وهؤلاء يتمثلون في تيار سياسي، ضمن المعارضة الليبية. لكنه غير منتظم في تنظيم معروف. هذا إذا استبعدنا "الإتحاد الدستوري" كونه حصر هدفه في العودة إلى الدستور وأوقف مبايعته للملكية على الملك الراحل محمد أدريس السنوسي. بينما قدم السيد محمد رضا السنوسي نفسه بصفته المطالب الشرعي بعرش ليبيا. وقد طرح صيغة جديدة لعودة النظام الملكي السنوسي للحكم. حيث يقول بهذا الخصوص:
"هناك ملكية واحدة هي الملكية الدستورية، وأعتقد أن دستور1951م الذي أنشأ دولة الإستقلال قد أقتبس الكثير من معالمها وضمنها في نصوصه. وأساسيات تقييد سلطة المؤسسة الملكية واضحة وجلية، قد تحتاج الى بيان وتوضيح، وأيضا الى تطوير بما يواكب الوقت، والملكية الدستورية هي كما ذكر احد كتابنا الافاضل الأستاذ محمد امين العيساوي في إحدى مقالاته تمثل عنصر الإستقرار ولذلك أعاد الشعب الأسباني تبنيها بعد وفاة فرانكو، إذ لا ننسى الصراعات العرقية في شبه الجزيرة الاسبانية، فالملكية الدستورية هي عنصر الإستقرار وأداة التوازن بين سلطات ومؤسسات ومكونات الدولة حتى لا تطغى إحداها على الأخرى علاوة على أنها تمثل رمز وحدتها وسيادتها..".
لكن السيد محمد الحسن يغفل، من حيث المبدأ، موضوعة جوهرية في المقارنة بين عودة الملكية إلى أسبانيا وأطروحته لعودة الملكية إلى ليبيا،وهي الإختلاف التاريخي العميق بين الملكية الأسبانية والملكية السنوسية..كيف؟! الملكية الأسبانية لها تاريخ متواصل يرجع إلى أكثر من ألف عام. أي أنها ملكية تشكّلت وتأصلت عبر تاريخ الملكيات الأوروبية ، التي أنتجت على مدار السنوات والعقود والقرون تراثها وتقاليدها،الثقافية والدينية والمعمارية، وصنعت أمجاد إمبراطوريتها التاريخية العظيمة. فالملكية الإسبانبة هي التي استولت على الممالك العربية في الاندلس الواحدة تلو الأخرى إلى أن سقطت في أيديهم غرناطة آخر قواعد المسلمين سنة 1492.وهي التي مكّنت أسبانيا من أن تكون أقوى دولة في العالم خلال القرن الخامس عشر. أي أنها عبرت بالأمة الأسبانبة القرون الوسطى إلى عصر النهضة فالحداثة. ولم تغب عن حكم أسبانبا إلا لفترة قصيرة، على إثر قيام الجمهورية الأسبانية العام 1939، حيث تنازل الملك ألفونسو عن العرش ولجأ إلى المنفى. ثم كان انقلاب الجنرال فرانكو على الجمهورية وما ترتب عليه من حرب أهلية طاحنة، انتهت بسيطرة فرانكو الفاشي على نظام الحكم وقمع الحركة الديموقراطية حتى وفاته في 20 نوفمبر 1975. لكنه كان يعتنى بوريث العرش الملكي خوان كارلوس دي بوربون، واعتبره خليفة له بعد وفاته، وذلك ما حدث. فعادت الملكية لتكون صورة رمزية (فلوكلورية) تملك ولا تحكم. وهو عكس الحال التاريخي والديني للشعوب العربية والإسلامية التي لم تعرف الملكية إلا كصيغة ركبها الغرب الاستعماري في العصر الحديث. حتى أن القرآن الكريم ينص على:" إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون)النمل:33،34. دون أن يعني ذلك، عندي على الأقل، تحريمها كشكل من أشكال النظم السياسية. ما أقصده بشكل واضح هو أن عمر الملكية في ليبيا كان زمنا قصيرا خاطفا. فالحركة السنوسية لم تكن سوى طريقة دينية إصلاحية. وهو ما يقول به السيد محمد الحسن الرضا السنوسي نفسه في مقابلة أجراها معه موقع المستقبل، عندما تساءل:"من قال ان الحركة السنوسية هى حركة سياسية؟! ففي صفحات التاريخ نقرأ أنها حركة إصلاحية في الفقه والتصوف وهي حركة نهضوية لإصلاح حال الأمة الاسلامية، وساهمت بقدر كبير في نشر الاسلام في أفريقيا، وفي غيرها من الأماكن. الحركة السنوسية في ليبيا التي أحتضنها تاريخها وجه مشرقا دخلت السياسة من باب الجهاد الذي سجله التاريخ وتولت قيادة أدواره، ثم لما أستقلت الدولة لم نشهد للحركة السنوسية أي دور في الحياة السياسية بل كان محظورا على الأسرة السنوسية تولي الوزارة او الدخول في الحياة السياسية عامة، ولست أدري من أين استقيت هذه المعلومة في فصل الحركة السنوسية عن السياسة، ربما صاحبها لم يقرأ التاريخ جيدا."
ودون الوقوف عند التناقض الواضح في اقواله بين القول بأن الحركة السنوسية "دخلت السياسة من باب الجهاد". ذلك صحيح. ونفيه، في الوقت نفسه، لأي دور للحركة السنوسية في الحياة السياسية للدولة الاستقلال. وتلك مغالطة صارخة. فالسنوسيون كانوا يحكمون البلاد من خلال النظام الملكي، بينما كانت الطريقة السنوسية هي الحامل الديني ـ الآيديولوجي للنظام الملكي. إن الحركة السنوسية التي تأسست على يد الشيخ محمد بن على السنوسي الخطابي الإدريسي قامت كطريقة دينية صوفية إصلاحية أثناء إقامته بمكة المكرمة التي وصل إليها من القاهرة بعدما تعرض فيها لمضايقات السلطة وبعض شيوخ الأزهر. وقد امتازت حياة المؤسس محمد بن علي السنوسي بالترحال الطوعي طلبا للعلم والتعليم أو هروباً من الملاحقة والاضطهاد. وهو لم يكن يخطط للاستقرار في ليبيا. لكنها الظروف هي التي تصنع أقدار التاريخ. إذ ترك السيد محمد بن علي السنوسي الأراضي المقدسة بعدما تعرض لمضايقات السلطة العثمانية والشيوخ الوهابيين بسبب أفكاره الإسلامية الإصلاحية التي يدعو إليه وفقا لطريقته السنوسية على منهج الكتاب والسنة من حيث استخلاص الأحكام الشرعية وفتح باب الاجتهاد الذي أغلقه فقهاء العقل النقلي المتأخرين. وكذلك دعوته إلى توحيد الطرق الإسلامية في طريقة واحدة، مرجعيتها القرآن والسنة النبوية المؤكدة.علاوة على عداء الوهابيين له كونه قريشي يدعو إلى أن تكون الخلافة وقفا على النسب القريشي. وهكذا، في العام 1840، ترك السيد ا




















